• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

عندما تغيب العدالة

عندما تغيب العدالة

  • 17-01-2020, 12:08
  • مقالات
  • 228 مشاهدة
حسين علاوي



   
 لا شك أن القوة التي تتبارى لها كل المجتمعات المتقدمة, وإضفاء الكمال على الدولة هي تجسيد العدالة.. وإنّ أعظم أسباب احترام الدولة من الفقراء والأغنياء, هي فضيلة العدالة.. وقد اهتم الفلاسفة بها منذ القدم, ولا تكاد تجد كتاباً فلسفياً دون أن يخصص فصل فيه عن العدالة.. وإن القانون الأخلاقي يفرض هذه الإرادة الخيّرة, والتي تجلب الوفاق وترغم الناس على قبول الاتفاق.. مثلما يقول (نيتشه).. وإنّ من يقتل العدالة هي الامتيازات التي تعم الجماعات السياسية,  ولم توزع على الطبقات الفقيرة.. وإن من يأخذ أكثر من حقه يكون ظالماً للآخرين..
    وفي كتابه (الأخلاق إلى نيقوماخوس) قسّم أرسطو العدل إلى مقولتين: العدل في التوزيع, والعدل في الإصلاح.. وتعمل الثانية على تصحيح الأخطاء التي ترافق أنظمة الحكم التي تهتم بامتيازات المسؤولين وترك الرعية.. وأما العدل في التوزيع, فهو يتصل بالتقسيم الصحيح للكرامة.. يقول أرسطو: (إنّ التوزيع العادل هو قسمة عادلة توفر لكل من أفراد المجتمع ما يستحقه, فالناس جيعاً يتصورون إنه لا بدّ للعدل من أن يكون لوناً من المساواة.. وبحسب المؤهلات لأفراد المجتمع..) (ص172).
    وقد أخذ الباحثون في مجال الحقوق الطبيعية, منذ بداية العصر الحديث, في تفسير العدل على أساس التساوي في الحقوق بين بني البشر بأسرهم.. وإنّ المطالبة بالمساواة تُطرح أحياناً, باعتبارها مطالبة باحترام حقوق الإنسان.. فحقوق الإنسان هي استحقاقات لا بد من أن يتمتع بها بنو البشر بشكل متكافئ على أساس إنسانيتهم وحسب.. والقوانين الحديثة تعتبر: (إنّ الناس قد خُلقوا وهم متكافئون, وقد منحهم الله حقوقاً لا يمكن تجريدهم منها, نظير الحق في الحياة, والحرية, والبحث عن السعادة, وهذا لا يكون إلّا بتجسيد العدالة.. وإنّ هذه القوانين ترفض الامتيازات الخاصة التي يتمتع بها النبلاء والملوك والأباطرة ورجال السياسة ورجال الدين..) (أنظر: حقوق الإنسان, دراسة النص وتحديات الواقع, مجموعة من المؤلفين, ص296).
وقد ورد العدل في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة.. لأن من أهم دعائم السعادة التي يسعى إليها البشر أن يطمئن الناس على حقوقهم, وأن يستقر العدل فيما بينهم.. فالإسلام أمر بالعدل وحماية الضعيف والفقير.. (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).. وقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).. وقد أدان الاستبداد والجبروت وذمّ الجبارين وبطشهم.. وشجَبَ بطر المترفين وإهمالهم للفقراء والمستضعفين ومغبة إسرافهم.. ومهما اختلفت الفرق الإسلامية في المقولات النقدية والفكرية فإنها لم تختلف في الدعوى للحق والعدل, واشترطت على الحاكم أن يكون عادلاً, واقترن وجوب طاعته بشرط التزامه بأوامر الشرع الإسلامي وأوّلها العدل.. فالعدل هو قوام الشرع الإسلامي, بل هو محوراً لما ينبغي من سلوك الأفراد حاكمين ومحكومين, وسلوك الجماعات, ولما سُنّ من نظم وأحكام, وما يكون عليه القضاء والإفتاء..
وبتحقيق العدل لم يشعر الناس بالغبن والمشقّة.. ولم يقاطعوا أو يعادوا نظام ويرفعوا بوجهه السلاح.. فالإنسان نشأ بالفطرة على حب العدل, وبخلاف ذلك يتمرد على كل شيء عندما ينتفي مفهوم العدل ويصبح مجرد كلمات تقال هنا وهناك, بدون تطبيق ومسؤولية وقوانين تفرضها..
فالعدل هو صفة العادل, فإذا استحق إنسان هذا الوصف وخاصة الحاكم, أصبح ملازم له حتى بعد وفاته.. وإنّ سبب عدم استقرار الكثير من الأنظمة وانهيارها هو ابتعادها عن العدل ونقصها من التخطيط السليم للعدالة الاجتماعية, وفي تربية وتوجيه جيل مؤمن بالمبادئ العادلة, متربّي على حب الفضيلة والعدالة, متزوّد بقسط وافر من الثقافة.. فجوهر الشريعة هي الحكمة والقيام بتطبيق العدالة بين الناس.. يقول تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).. وهذا هو المعنى الذي على أساسه يبدل الله قوماً بقوم.. ونظام بنظام.. وهو ترجمة للشرعية التي ينبغي أن تسود في علاقة الإنسان بالدولة والقانون.. وإنّ التجاهل والتهاون بأمر العدالة وخيم العاقبة, فلطالما أطاعت هذه الأعمال بعروش امتدت قروناً وأجيالاً.. وكانت تحاط بهالة من التقديس والتبجيل.. والراجح إنَّ بقاء الحاكم على رأس الدولة مرهون بالتزامه بهذه المبادئ.
ولأنّ الحياة الإنسانية لا تستقر إلّا في ظل الشكل الاجتماعي لها, والشكل الاجتماعي لا يتم إلّا باستقرار العدالة, والقانون والعدالة هما مقدمتان لأن يقوم الإنسان في هذه الحياة الدنيا, وباطمئنان الناس لمن يقوم على تطبيق العدالة وإخضاع كل شيء لقوانينها, تستقر المجتمعات.. وبعكس ذلك لا قيمة لنظام لا يطبقها.. فالعدالة هدف الأنبياء الأول, وقد قارنها الله تعالى بالتقوى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).. وبالعدل يبتعد المجتمع عن الخلافات, وهو علاج لما يحدث في المجتمع من صراعات, ويضمن السلام.. وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).. ولعل أهمية تأكيد الاسلام على العدل كقيمة إنسانية عامة.. أنه يريد للإنسان أن يعمّق العدل في نفسه كإحساس وشعور وإنّ يرفض التعاطف مع الظالم واعانته لأنه يسعى لإدخال العدالة في التركيبة الشخصية للإنسان المسلم التقي الذي يصنعه.. لذا فهو يرفض الظلم كإحساس كما يرفضه كموقف.
    وعندما ينتشر الفساد المالي والإداري, ولم تستطع الدولة إعطاء الطبقات الفقيرة كافة حقوقها, لضمان العيش الكريم لها ولغيرها من الطبقات الأخرى, يغيب العدل, ولا تستطيع الدولة أن تُلغي العوائق والحواجز بينها وبين المجتمع.. فالعدل هو احترام حقوق الناس من كافة النواحي سواء أكانت مادية أم معنوية, بمعنى توفير كل ما يحتاجه أفراد المجتمع بصورة عادلة.. وأن يصبح واقعاً.. وبغيرِهِ يفقد المجتمع استقرارِه وازدهارِه.. وبخلافِهِ وغيابِه, تظهر الصراعات وتعمّ الفوضى, وتكبر الحواجز بين الناس والحكام.. وتسقط الضحايا, وبسقوطها تنهار أو تتبدل الأنظمة.

أخر الأخبار