• بغداد
    +31...+34° C
  • الموصل https://www.booked.net/
    +23...+29° C
  • كربلاء https://www.booked.net/
    +32...+37° C

مرقد السيد إسماعيل حفيد الإمام الكاظم (ع) شاهد على التغييب السلطوي .. سلسلة أبنية تراثية بغدادية ٤٢

مرقد السيد إسماعيل حفيد الإمام الكاظم (ع) شاهد على التغييب السلطوي .. سلسلة أبنية تراثية بغدادية ٤٢

  • 28-03-2024, 15:39
  • مقالات
  • 74 مشاهدة
د. صلاح عبد الرزاق

"Today News": بغداد 
أولاد وأتباع أهل البيت
هذا واحد من شهود سياسة التغييب والإهمال التي مارستها السلطات الحاكمة في العراق منذ العهد الأموي والعباسي ثم العثماني. فمنذ محاولات طمس قبر الإمام الحسين (ع) من قبل المتوكل العباسي ثم محاربة شعائر إحياء ثورته المجيدة ، يتكرر السعي لإسكات صوت الحق والمعارضة للحكومات. ولم تكتف السلطات بتصفية الثوار والمعارضين ، بل وسعت لهدم قبور الأئمة (ع) ومنع زيارتها من قبل محبيهم وأنصارهم. كما سعت لطمس أية معالم قد يجتمع حولها المعارضون أو من تشك بولائهم لها ومنها أضرحة وقبور أولاد الأئمة عليهم السلام وأتباعهم وأنصارهم.

هذه الممارسات السابقة يجسدها اليوم ضريح السيد إسماعيل حفيد الإمام الكاظم (ع) الذي حاولت السلطات الحاكمة طمس قبره وتغييبه . كما حاولت أقلام تدعي أنها لمؤرخين التعمية على قبره ، وأخذت تشكك في نسبته إليه ، فتارة تقول إنه لفلان ، وأن فلان والي قد أعاد تعميره وهو لعلان.

وفي العهد البعثي السابق تم غلق الضريح وتخريب بعض معالمه كالزيارة وشجرة النسب ولكن يأبى الله إل أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولعل الظروف السياسية التي مر بها العراق منذ عام ١٩٨٠ وشن الحرب على إيران التي استمرت ثمان سنوات ، ثم حرب الكويت وقمع الانتفاضة الشعبانية عام ١٩٩١ ثم الحصار الذي فرض على العراق في التسعينيات ساهمت في زيادة التعصب الطائفي ضد الشيعة. وكان للحملة الإيمانية التي قام بها نظام صدام قد ركزت جهودها وأنشطتها لمحاربة الشعائر الحسينية والفكر والثقافة والمجالس الحسينية. فقد تصدى وعاظ السلاطين لمحاربة طبع الكتب التي لا تدعم سياسة النظام ، بل وتمت ملاحقة نشر الأدعية ومحاضرات الشيخ أحمد الوائلي بشكل ممنهج واعتقال من يستمع إليها حتى من إذاعة أجنبية.

مسجد الخفافين
يقع المرقد بجانب جامع الخفافين من جهة، ويسمى أيضاً بجامع الصاغة و وجامع القيومچية . ومن جهة أخرى يجاور المدرسة المستنصرية التي أنشأها الخليفة المستنصر العباسي عام ١٢٣٣ م بجانب نهر دجلة. وقد سمي بجامع الخفافين لاتصاله بدكاكين بائعي الأحذية. وسمي تارة أخرى بجامع الصاغة لاتصال دكاكين الصاغة به قبل أن يشغلها الخفافون. (١)
وكان المسجد يسمى بمسجد الحظائر نسبة إلى أرض (حظائر الشوك) القريبة منه والتي شيدت عليها المدرسة المستنصرية فيما بعد. فقد شيدت المسجد السيدة زمرد خاتون سنة ( ٥٩٩ هـ / ١٢٠٢ م ) أي أن المسجد قد بني قبل المدرسة المستنصرية بثلاثين عاماً. وقد تخرب المسجد ولم تبق منه سوى مئذنته التي تُعد من أقدم منائر بغداد زمناً.
في عام ( ٩٩٩ هـ / ١٥٩١ م ) شهد المسجد أول تجديد له من قبل الوالي جغالة زاده سنان باشا (صاحب خان جغان). وقد وجدت لوحة من الحجر ذكر فيها تاريخ ذلك الإعمار.
بعد مائتي عام ، في عام ١٧٩٠ م قام الحاج أبو بكر الباجه جي بإعماره وأوقف له وقفيتين واحدة عام ١٧٩٧م والثانية عام ١٨٠٨م .
في عام ١٨٠٥م تم إلحاق سبعة دكاكين وخان ومقهى بالجامع. في عام ١٩١١ تم تعمير المدرسة والخان. وفي بداية العشرينيات تم استخدام الخان من قبل دائرة الكمارك والمكوس. كما استخدمت المدرسة المستنصرية كمخزن للملابس العسكرية للجيش العثماني.

شهد الجامع تعميراً حديثاً عام ١٩٢٤ ، حيث أعيد بناء الجدران والأقواس التي تعلو الأبواب والشبابيك والأواوين واستخدام حديد الشيلمان في السقوف. وقد تم تثبيت هذا التاريخ في مدخل الجامع فوق الباب.

وقد تم تجديد الخان مع تعمير المدرسة المستنصرية عام ١٩٤٠ من قبل مديرية الآثار القديمة (٢) وكان آخر تجديد للجامع كان عام ١٩٧٣ كما يظهر في شريط كتابي فوق الطارمة.  

وقد زرتُ الجامع وهو متهالك حالياً ، ومتروك ، ولا تقام فيه صلاة ولا أي نشاط. ويبدو في الحقيقة هناك جامعان لوجود مصليين ومحرابين. الأول قديم جداً وصغير الحجم وله قبة صغيرة تناسب مساحة المصلى ويطل على النهر. والمحراب مزين بشريط كتابي يتضمن آيات قرآنية والباقي منها (.... أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً. ومن الليل فتهجد به نافلة لك ....) (الإسراء:٧٨-٧٩). في وسط المحراب توجد نقوش وزخارف أرابيسك. البناء من الطابوق والجص ، والمحراب مغطى بطبقة من الجص. وتعرضت الجدران والسقف إلى أضرار كبيرة وسقطت أجزاء منها.
من الواضح أن الجامع يقع وسط سوق تجاري وليس في محلة سكنية ، لذلك وجد لخدمة التجار وأصحاب المحال التجارية القريبة منه وكذلك رواد السوق من المشترين. وتقام فيه صلوات الظهر والعصر لكونها في النهار. ولا تقام فيه صلاة الفجر والمغرب والعشاء لأن أوقاتها تكون في الفجر والليل ، ويكون السوق مغلقاً في هذه الوقت.  

أما المسجد الكبير المطل على النهر أيضاً فيبدو أنه أضيف في وقت لاحق ربما في نهاية القرن السادس عشر . والمحراب الحالي يبدو حديثاً فهو مغطى بالقاشاني الملون وعدم وجود كتابات أو آيات قرآنية ، وهو أمر نادر في المحاريب الإسلامية. وتحيط به إزارة بارزة من القاشاني الفيروزي. وداخل المحراب مغطى ببلاط قاشاني مربع الشكل ، ومزيّن بزخارف ملونة متشابهة . والمصلى واسع ، والسقف يستند إلى أواوين ذات عقود مدببة. والجدران تعاني من أضرار واضحة وبحاجة إلى تعمير سريع لحماية المسجد من السقوط بفعل التقادم وسقوط الأمطار الغزيرة.
كلا المسجدين يطلان على النهر ، أما مدخل المسجد فله باب واسع من جهة السوق. بعد اجتيازه يوجد إيوان كبير وعالي ينفتح على الفناء الوسطي للجامع.

فوق الباب الداخلي للجامع المطل على الفناء الداخلي توجد كتابة فوق القوس الذي يعلو الباب تتضمن تاريخ تعمير الجامع وأبيات شعر جاء فيها:

ذا باب جامع دين الحق جدده *** وليه ليزين الحق معبده
على التقى أسست أركان جبهته *** وبالهدى شرف الإسلام شيده
راقت مبانيه وامتازت قواعده *** برفعة رفعت للنجم معهده
مناظر أبهج النظار رونقها *** وحسن وضعٍ أتاب الله موجده
ادخل إلى الفرض بسم الله أرخه *** باب الصلات تقى إبراهيم جدده
كتبه (صابر) بتاريخ ( ١٣٤٢ هـ /  ١٩٢٤ م)

 توجد طارمة بجانب المسجد ، تطل على الفناء ذات عقود مدببة وتستند على أعمدة من الطابوق. والبناء بالطابوق ، والسقف من الطابوق العقادة والشيلمان.  وقد تم تجديدها عام ١٩٧٣ كما يظهر في نهاية شريط كتابي فوق الطارمة. وكانت الطارمة مسقفة بالخشب الذي تآكل وتضرر فتوجب استبداله بالطابوق والحديد.

 أما المنارة القديمة فتقع إلى يمين المسجد الصغير. وقد تم تجديدها وترميم نقوشها وزينتها . إذ تظهر صورة لها نشرها الدكتور مصطفى جواد في كتابه (دليل خارطة بغداد المفصل) بأنها متهالكة ومتضررة. (٣) وقد وصفها بأنها (تعد أقدم منارة في بغداد . وفي هذه المنارة من الفن البنائي ما يجعلها نموذجاً للفن العربي الراقي. ففي رأسها أشكال هندسية من النقوش . وقد زخرفت الرأس قليلاً بالكاشي وغيره. وفي حوضها قسم من العقود التي تشبه الأواوين الصغيرة. (٤) وعلى الأرجح أن تجديد المنارة قد تم عام ١٩٧٣ ضمن حملة إعمار المسجد.

وذكر د. مصطفى جواد أن المسجد كان يسمى باسم (مسجد أم الناصر). ففي حوادث فيضان سنة (٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨م) ذكر أنه (نبع الماء من أساس حائط المدرسة المستنصرية ومن مسجد الحظائر المعروف بأم الناصر المجاور لدار (سنقرجا) زعيم خوزستان المجاورة للمستنصرية. ودار سنقرجا كانت بين المستنصرية ومسجد زمرد خاتون). (٥) علماً آنه توجد بناية صغيرة لم أعرف ما هي وتقع بجوار المسجد والمرقد، ربما كانت دار سنقرجا المذكورة. كما يوجد شارع يفصلها عن جدار المدرسة المستنصرية يوصل الناس إلى النهر.

ويمضي مؤرخ آخر في تسطير مغالطات تاريخية دون أن يتثبت منها . إذ يذكر صاحب كتاب (خير الزاد آن (جامع الخفافين هو الجامع الواقع على دجلة جنوبي المدرسة المستنصرية ، قريباً منها ، يفصل بينهما المحل الذي كان في السابق إدارة المكوس (الكمرك) ، والذي هو في الأصل حمّام المستنصرية ) (٦)
ويردّ محقق الكتاب على المؤلف فيقول (سبق أن نقلنا من كتاب (الحوادث) نصاً صريحاً فيه أن مما يلي المستنصرية دار الزعيم سنقرجا، ويلي هذه الدار مسجد الحظائر (الخفافين). وقد تقلبت الأحوال بهذه الدار حتى آلت إلى أن تكون قهوة خانة (مقهى) شيدها والي بغداد جغالة زاده سنان باشا في نهاية القرن العاشر للهجرة (القرن السادس عشر الميلادي). وقد ظن الرحالة الألماني كارستن نيبور الذي نزل بغداد سنة (١١٨٠ هـ / ١٧٦٦م) أن أصل هذا المقهى هو مطبخ المدرسة المستنصرية ، وأنه تحول إلى مقر لدائرة المكوس (الكمرك) ، في حين تحولت المستنصرية نفسها إلى خان للقوافل) (٧)  

ويضيف المؤلف في وصف الجامع بالقول (وهو جامع وسط في السعة والكبر ، له مصلى كبير مطل على نهر دجلة ، يفصل بين جداره القبلي وبين دجلة الرصيف الذي بنته الحكومة العثمانية ليكون محلاً لوضع التجار أموالهم عند إرادة تحميلها في السفن البخارية ، وعند إخراجها منها. وعلى يمين هذا المصلى مصلى صغير بباب منفرد، وفيه باب يؤدي إلى المصلى الكبير ، وهو معد للشافعية ، وفيه مئذنة واقعة غربي المصلى. وعلى يسار الداخل إلى صحن الجامع غُرف تحتية إحداها مدرسة. (٨)

وتتخذ إدارة المرقد حالياً مكتبها في مسجد الخفافين لعدم وجود مكان لها داخل المرقد الصغير ، ولحين صدور حكم قضائي بالمبنى بين الوقفين السني والشيعي.

مرقد السيد إسماعيل حفيد الكاظم (ع)
حاول بعض المؤرخين طمس ذكر مرقد السيد إسماعيل مع أنه أقدم من بناء المستنصرية التي أنشأت عام ١٢٣٣م ، وأقدم من بناء جامع الخفافين الذي يعود لعام ١٢٠٢ م . فالسيد إسماعيل ابن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل بن موسى الكاظم (ع)  يمثل الجيل الخامس للإمام الكاظم (ع) المتوفى عام (١٨٣ هـ / ٧٩٩ م). ولو فرضنا أن عمر الجيل ثلاثين عاما فيكون الفارق الزمني بينهما يبلغ (١٥٠ – ١٧٠ عاماً) أي تكون سنة وفاته بين عامي ( ٣٣٠ – ٣٥٠ هـ / ٩٤٢- ٩٦١ م). وهذ يعني أن المرقد كان موجوداً قبل بناء جامع الخفافين وقبل المدرسة المستنصرية.

ولم يشر صاحب (دليل خارطة بغداد) الصادر عام ١٩٥٨ م إلى وجود القبر وذكر (دار سنقرجا) زعيم خوزستان الذي لا يعرفه أحد. أما صاحب (العقد اللامع) المتوفى سنة ١٩٣٠ م فقد ذكر بأنه (لا يشك أحد في أن هذا الجامع هو من متممات المدرسة المستنصرية لاتصاله بها اتصالاً تاما). (٩) فهو يسوق الأمر وكأنه حقيقة مطلقة. في حين أن الجامع مفصول عن جدار المدرسة المستنصرية بشارع يوصل السوق بمرسى السفن التي تنقل البضائع و(دار سنقرجا) كما ذكر مصطفى جواد.. فكيف يكون اتصالاً مباشراً ؟!!
ويمضي بالقول بأنه (توجد غرفة فيه من الغرف الواقعة على يمين الجامع للداخل ، مطلة على نهر دجلة. وفيها ثلاثة قبور ، والغرفة المذكورة قديمة البناء كأنها قطعة من تلك المدرسة ، مبنية بالحجارة المهندسة والجص ، تشابه بنائها مشابهة تامة. وإن القبور الثلاثة هي بزعم العامة فيها قبور لأولاد الإمام موسى الكاظم، بل أنها أما قبور لمدرسي المستنصرية أو لغيرهم من العلماء ، والله تعالى أعلم) (١٠) .
ولا أعرف سبب نسبة المرقد أو القبور إلى مدرسي المدرسة المستنصرية ، ولماذا يُدفنون في هذا المكان وليس في مقابر الخيزران في الأعظمية أو الشونيزية قرب الشيخ معروف الكرخي؟ كما أن المؤلف غير متأكد من هذا الكلام لذلك أعقبه بالقول (أو لغيرهم من العلماء والله أعلم) وكأنه يفسر آية قرآنية ولا يدرك معناها الحقيقي ، وليس يتحدث عن وقائع مادية كالقبور والحقائق التاريخية.
واللطيف أن محقق الكتاب الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ينفي صحة ما ذكره صاحب (العقد اللامع). إذ يقول: (فلا صحة لما ذكره المؤلف من أن الجامع من متممات المدرسة المستنصرية لأنها بُنيت بعده بأكثر من ثلث قرن على أقل تقدير) (١١)

من جانب آخر ذكر المؤلف وجود غرفة فيها ثلاثة قبور ، ونفى زعم العامة بأنها قبور لأولاد الإمام موسى الكاظم (ع) ، وترك الأمر إلى التكهنات. فتارة يزعم أنها قبور لمدرسي المدرسة المستنصرية ، وتارة يقول أنها لغيرهم من العلماء !! فهو لا يعرف لمن هذه القبور فالمهم عنده أنها ليست لأولاد أئمة أهل البيت (ع).
وتحدث المؤلف عن وجود عدة غرف واقعة عن يمين الجامع ، وذكر أن إحداها تضم ثلاثة قبور لكنه سكت عن بقية الغرف الأخرى وما فيها. مع العلم أن مرقد السيد إسماعيل (ع)  كان في أحد هذه الغرف حيث يوجد قبره لوحده. وهذا ما يرجح نسبة القبر له (رض).

زيارتي لمرقد السيد إسماعيل (ع)
 زرت المرقد مرتين الأولى في ٣ شباط ٢٠٢٣ والثانية في ٢٥ آذار ٢٠٢٤ . في المرة الثانية استقبلني أمين المرقد الشيخ فتاح ياسين الغريري ، من أهالي ديالى. وقد تحدثنا حول المرقد ونسبته، وتفضل الشيخ مشكوراً بعرض الوثائق التي تثبت نسب السيد إسماعيل. كما تجول معي في أرجاء المرقد والجامع وقدم شرحاً وافياً.
إن الكشف عن مرقد السيد إسماعيل تم بعد سقوط النظام. ففي عام ٢٠١٣ بدأت عملية البحث عن القبر من قبل ديوان الوقف الشيعي . وتم فتح إحدى الغرف المجاورة لجامع الخفافين وقد وجدت في الغرفة أدلة تؤكد نسبته للسيد إسماعيل. وسنعرضها حسب تسلسلها الزمني:

أولاً:
العثور على قطعة حجرية مكتوب عليها سطران من الكتابة ، القسم العلوي غير واضح عدا تاريخ (٩٩٩ هـ) وتعود لتاريخ إعمار المسجد عام ١٥٩١ م من قبل سنان باشا. أما القسم السفلي خُطت الآية الكريمة (إنما يخشى الله من عباده العلماء).  

ثانياً:
زيارة السيد إسماعيل مكتوبة على الكاشي القاشاني بخط الثلث باللون الأبيض على عشرة أسطر ، وخلفية زرقاء داكنة، مع إطار مزين بزخارف نباتية جميلة. والزيارة هي تقليد مستخدم في العتبات والمراقد الشيعية دون غيرها. مما يؤكد أنها كانت للمرقد ثم جرى تخريبها وكسرها في وقت لاحق. وقد قام بعض المهتمين بإعادة تركيب تلك القطعة الثمينة والدليل الدامغ على أنها تعود لصاحب القبر الذي ذكرته اسمه صراحة السيد إسماعيل بن الإمام موسى الكاظم (ع) ، ويُعتقد أنها تعود لعام تجديد الجامع عام ١٩٧٣م. وهذا نص الزيارة:

(بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك أيها العبد الصالح الولي الناصح.
أشهد أنك قلت حقاً ونطقت صدقاً ، ودعوت إلى مولاي ومولاك علانية وسراً .
فاز متبعك ، ونجا مصدقك ، وخاب وخسر مكذبك والمتخلف عنك.
اشهد لي بهذه الشهادة عندك لأكون من الفائزين بمعرفتك وطاعتك وتصديقك واتباعك
والسلام عليك يا سيدي وابن سيدي ومولاي وابن مولاي يا سيد إسماعيل ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ....)
وأما السطر العاشر فهو مفقود ويكتب فيه عادة دعاء قصير وسنة صنع اللوحة واسم الصانع.

ثالثاً: يوجد شريط كتابي فوق الطارمة المطلة على الفناء الداخلي للجامع حيث انتهي بعبارة (صدق الله العلي العظيم) وهي عبارة شيعية لأن السنة تكتفي بالقول (صدق الله العظيم). وقد تضمن الشريط الكتابي الآيات الكريمة:
 ( بسم الله الرحمن الرحيم
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد ، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) (صدق الله العلي العظيم) (١٣٩٣ هـ / ١٩٧٣ م).

نسب السيد إسماعيل (ع)
تشير شجرة النسب إلى سلسلة ذرية الإمام الكاظم (ع) التي ينتسب إليها السيد إسماعيل (ع). وقد حقق هذه الشجرة الحاج الشيخ عباس الدجيلي الساكن في النجف الأشرف عام ٢٠١٣. جاء في الشجرة :

(-إسماعيل (كان سيداً فاضلاً ، جليل القدر ، من كبار العلويين في بغداد . ومن أعلام القون الثالث الهجري ، صاحب الكرامات والدلائل الباهرات)
-بن محمد الشريف (أبو علي) (كان عالماً محدثاً جليلاً يسكن بغداد)
-بن إسماعيل (كان عالماً فاضلاً سكن مصر ، وله عدة مصنفات)
-بن إبراهيم الأصغر المرتضى ( مات مسموماً ، ودُفن في بغداد ثم نقل جثمانه إلى كربلاء ، ودُفن في الحائر)
-بن إسماعيل
-بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام).

مصادر نسب السيد إسماعيل (ع)
ورد نسب السيد إسماعيل (ع) في أكثر من عشرين مصدر تاريخي مختص بأنساب العرب والطالبيين وأهل البيت عليهم السلام ذكرها المحقق عباس الدجيلي كالآتي:
(بسم الله الرحمن الرحيم
تحقيق نسب ومرقد السيد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الموسوي ومرقده في مدينة بغداد:
١-عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / السيد ابن عنبة الحسني توفي سنة (٨٢٨ هـ / ١٤٢٥م ) ، ص ٢٤٦
٢- مناهل الضرب في أنساب العرب/ السيد جعفر الأعرجي توفي سنة (١٣٢٢ هـ / ١٩٠٤م)  ، ص ٤٢٨
٣- جمهرة أنساب العرب / ابن حزم الأندلسي توفي سنة (٤٥٦ هـ / ١٠٦٤م) ، ص ٦
٤- الأمير إبراهيم المرتضى وأحفاده / طه الهنداوي ، ص ١٨
٥- الشجرة المباركة في أنساب الطالبيين / الفخر الرازي توفي سنة (٦٠٤ هـ / ١٢١٠ م) ، ص ٩٦
٦- خلاصة الأكسير في نسب سيد الغوث الرفاعي الكبير / الشيخ علي الواسطي الشافعي توفي سنة (٧٣٣ هـ / ١٣٣٣م ) ، ص ١٤
٧- الأصيلي في أنساب الطالبيين / السيد محمد ابن الطقطقي توفي سنة (٧٠٩ هـ / ١٣١٠م) ، ص ١٦٢
٨- سر السلسلة العلوية / أبو نصر سهل بن عبد الله البخاري توفي سنة (٣٥٧ هـ / ٩٦٨م) ، ص ٣٧
٩- صحيح الأخبار / السيد محمد سراج الدين الصيادي الرفاعي توفي سنة (٨٨٥ هـ / ١٤٨٠م) ، ص ٥٧
١٠- تحفة الطالب بمعرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب / السيد محمد الحسيني السمرقندي توفي سنة (٩٩٦ هـ / ١٥٨٨م) ، ص ٥٩
١١- قاموس العاشقين في أخبار السيد حسين برهان الدين / الشيخ عبد المنعم الراوي العاني توفي سنة (١١٤٦ هـ / ١٧٣٤م) ، ص ٧٤
١٢- أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين العاملي توفي سنة (١٣٧٦ هـ / ١٩٥٧م) ، ج ٥ ، ص ٤٨٢
١٣- تهذيب الأنساب ونهاية الأعقاب/ محمد شيخ الشرف العبيدلي توفي سنة (٤٣٥ هـ / ١٠٦١م ) ، ص ١٥٦
١٤- الفخري في أنساب الطالبيين / إسماعيل المروزي توفي سنة (٧١٤ هـ / ١٣١٤م) ، ص ١٣
١٥- تحفة الأزهار وزلازل الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار / السيد ضامن بن شدقم الحسيني توفي سنة (١٠٩٠ هـ / ١٦٧٩م) ، ج ٣ ، ص ١٩٤
١٦- الدر المنثور في المعارف والصدور (مخطوط) / السيد جعفر الأعرجي ، ج ٢ ، ص ٢٠٢
١٧- النفحة العنبرية في أنساب خير البرية / السيد محمد كاظم الموسوي اليماني ، ص ٧٥
١٨- مشاهد العترة الطاهرة والصحابة والتابعين / السيد عبد الرزاق كمونة توفي سنة ( ١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠ م) ، ص ٢٨٩
١٩- المجدي في أنساب الطالبيين / السيد علي محمد العلوي توفي سنة (٧٠٩ هـ / ١٣١٠م)، ص ٣١٦
٢٠- الأساس في أنساب الناس / السيد جعفر الأعرجي ، ص ١٩٥
٢١- بحر الأنساب (المشجر الكشاف لأصول السادة الأشراف)  / السيد محمد العميدي النجفي ، ص ٦٢
٢٢- مختصر تحفة الأزهار وزلازل الانهار / يوسف بن عبد الله جمل الليل ، ص ٣٦٠
٢٣- الأنجم الزاهرة في أنساب العترة الطاهرة / الشيخ عباس الدجيلي ، ج ٧ ، )

وصف مرقد السيد اسماعيل
يقع المرقد بجوار جامع الخفافين وبينهما حديقة سياج حديث . ويرتفع عن الأرض بسلم من عدة درجات . البناء قديم جداً وتم تغليفه مؤخراً بالمرمر. المرقد عبارة عن غرفة مستطيلة وضيقة خاصة في جهة النهر حيث يقع الضريح. والقسم الباقي هو مصلى للمرقد. وللمرقد باب حديدي من جهة النهر ينفتح مباشرة على الضريح ، وقد تم إغلاقه لأنه من الصعب دخول المرقد مباشرة من الشارع المحاذي للنهر، إذ يتوجب الدخول في باحة المرقد والوضوء ثم الدخول لزيارة الضريح. وكان الشيعة في الماضي يدخلون خفية من هذا الباب لزيارة ضريح السيد إسماعيل (ع).

في جانب من المصلى يقع الضريح الشريف الذي يتألف من القبر الذي يعلوه لوح من المرمر الأبيض مكتوب عليه اسم ونسب السيد إسماعيل. وبسبب اغطيته بالأوراق النقدية من المتبرعين ، لم أتمكن من قراءة ما كتب على القبر. وفوق القبر وضع لوح حجري قديم وجد في حجرة مدفن السيد إسماعيل وسبق أن نوهنا عنها ، ويبدو فيها تاريخ ( ٩٩٩ هـ / ١٥٩١م)، وهو تاريخ إعمار الجامع والمرقد. وإن حِرص إدارة الوقف الشيعي على الاحتفاظ بهذا الحجر ووضعه فوق قبر السيد إسماعيل يؤكد أهميته ووجود ما يثبت نسبة القبر إليه كوثيقة مادية تاريخية. ولولا أهمية هذا الحجر لما وضع فوق القبر. فهذه حالة نادرة في أضرحة أهل البيت (ع) وأولادهم وأتباعهم. كما أن وضعه داخل الضريح لحمايته من التخريب أو السرقة للعودة إلى طمس هذا المشهد الشريف الذي تعرض للتغييب طويلاً.

يغطي القبر شباك من الذهب والفضي ، فالجزء العلوي من الذهب ، والمشبكات من الفضة، كما أن غطاء الشباك العلوي من الذهب أيضاً. وقد قام الحاج محمد أبو النواعير بصنع الشباك عام ( ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٥ م) إذ توجد لوحة دائرية من المينا الزرقاء عليها كتابة بلون أبيض مع زخرفة نباتية قليلة.

وتوجد لوحات دائرية الشكل أسماء المتبرعين الكويتيين معلقة في أعلى الشباك جاء فيها:
١-لوح كتب فيه (المتبرعة عدوية الفردان)
٢-لوح كتب عليه (المتبرعة زهور القضيب)
٣-لوح كتب عليه (المتبرع السيد هاشم آل بوشگه)
٤-لوح كتب عليه (صنع الضريح على يد الحاج محمد أبو النواعير ، النجف الأشرف ، العراق ، ١٤٣٦ هـ)

أما باب الضريح فهو من الذهب ومزين بزخارف نباتية بارزة على شكل زهور وأوراق نباتية تخرج من مزهرية في أسفل الباب. وكتب في أعلى الباب:
(بسم الله الرحمن الرحيم
قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ، صدق الله العلي العظيم
إهداء لجنة أبي الفضل العباس (ع) دولة الكويت عباس سيد هاشم آل بوشگه)
     
ويوجد في أعلى الشباك شريط ذهبي يتضمن آيات كتبت في ألواح من المينا الزرقاء ذات زينة نباتية ملونة. أما الآيات فهي :
( قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون .... ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ، وما كنا عن الخلق غافلين. وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ، وإنا على ذهاب به لقادرون. صدق الله العلي العظيم) (سورة المؤمنون)

كما علقت لوحة مذهبة في أعلى الشباك تتضمن زيارة السيد إسماعيل (رض) جاء فيها:
( زيارة السيد إسماعيل (ع)
السلام عليك يا رسول الله ... السلام عليك يا أمير المؤمنين ... السلام عليك يا خديجة الكبرى...
السلام عليك يا فاطمة الزهراء ... السلام على الحسن المجتبى ... السلام على الحسين الشهيد ...
السلام على الأئمة المعصومين ورحمة الله وبركاته.
السلام عليك يا سيد إسماعيل بن إبراهيم المرتضى. لقد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين. وسلام من الله عليك ورحمة الله وبركاته).


الهوامش
١- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) ،  ص ٣٤٤
٢- صلاح عبد الرزاق (تراث بغداد العمراني) ، ص ٢١٣ ، دار المحجة البيضاء ، بيروت : ٢٠٢٢
٣- مصطفى جواد (دليل خارطة بغداد المفصل) ، ص ١٨٨
٤- مصطفى جواد (دليل خارطة بغداد المفصل) ، ص ١٨٨
٥- مصطفى جواد (دليل خارطة بغداد المفصل) ، ص ١٨٩
٦- محمد سعيد الراوي (خير الزاد في مساجد وجوامع بغداد) ، ص ٩٥
٧- محمد سعيد الراوي (خير الزاد في مساجد وجوامع بغداد) ، ص ٩٥ ، تحقيق عماد عبد السلام رؤوف
٨- محمد سعيد الراوي (خير الزاد في مساجد وجوامع بغداد) ، ص ٩٧.
٩- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) ، ص ٣٤١
١٠- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) ، ص ٣٤١
١١- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) ، ص ٣٤١

أخر الأخبار