الرئيسية / أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (1-4)

أربعون عاماً على رحيل الشهيد محمد باقر الصدر (1-4)


أحداث سبقت استشهاد الصدر
 
أربعون عاماً مرت على رحيل المفكر والفيلسوف والمرجع السيد محمد باقر الصدر حدثت خلالها تطورات في الفكر الإسلامي وتغييرات جوهرية في السياسة الدولية والاقليمية. وبرزت قوى جديدة ناهضة، وأسدل الستار على دول نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لكنها اضمحلت مع سقوط جدار برلين عام 1989 ، كما نشأت دول أخرى جديدة.
ومرت سبعة عشر عاماً على سقوط نظام البعث، واستلم الراية من ينتسبون لمدرسة الصدر فكراً ونسباً ، وشاركوا في الحكم والدولة ومؤسساتها الدستورية. وأقيمت ندوات واحتفالات بذكرى رحيله عن الحياة، لكنها اتسمت بالجانب الشعاراتي الباهت من مضمون حقيقي عما دعا إليه الصدر في خدمة الطبقات المحرومة ومشاركة الأمة في الصناعة القرار وبقية نظرياته وآرائه التي عكست حجم رسالته التي غذاها بروحه الزكية.

إعدامات العقد الأخير
لم يكن نظام البعث مكتفياً بالمضايقات والملاحقات للمثقفين الإسلاميين والعلماء الواعين والحركيين، فالنظام معروف بدمويته ووحشيته تجاه أزلامه قبل خصومه وأعدائه. ولم يكتف بأحكام السجن بل أمعن في دماء الدعاة. إذ عرفت رموز النظام بحفلات الإعدام في سجن النهاية والأمن العامة ، ناهيك بتهجير الكرد الفيلية وحجز أبنائهم ثم إعدامهم. كانت الاعتقالات تهدف إلى الحصول على معلومات من الدعاة المعتقلين و تسجيل اعترافاتهم تحت التعذيب. ولما تجمعت لديه معلومات عن خطوط حزب الدعوة لم يتردد لحظة في اعتقالهم وتعذيبهم واعدامهم بهدف استئصال الحزب من جذوره. ويمكن الإشارة الإعدامات للفترة 1970 لغاية 1979 مثل:

أولاً: اعدام السيد عبد الصاحب دخيل عام 1971
يعد السيد عبد الصاحب دخيل  (1930-1971) واحداً من أبرز قادة الدعوة ، فهو أحد المؤسسين، وترك بصماته في تشكيل تنظيم سري وقوي امتد على خارطة العراق. كما كتب عدة نشرات حزبية لبناء شخصية الداعية. فمنذ عام 1963 ولغاية 1971 أصبح معظم تنظيم الدعوة داخل العراق وخارجه تحت إشرافه ويشمل تنظبم بغداد وما حولها، تنظيم الجامعات في كل العراق، تنظيم البصرة الذي يأتي بعد بغداد في سعته وحجمه ونشاطه.  
في 28 أيلول 1971 تم اعتقال الشهيد أبي عصام ، فسجن في قصر النهاية الشهير . وتعرض لصنوف التعذيب حتى يغمى عليه دون الاعتراف بكلمة واحدة عن التنظيم السري وأسماء المسؤولين والدعاة لأنه كان مستودع أسرار مهمة تتعلق بأكبر حزب إسلامي معارض للسطة. وكان يدرك جيداً أن أي كلمة يفشيها ستعرض الكثير من أعضاء أو أنصار حزب الدعوة إلى الخطر. لقد كان صلباً في زنزانة التعذيب، يشتم رجال الأمن إذا شتموه، ويتحداهم أن يحصلوا على كلمة واحدة مهما استخدموا من وسائل تعذيب تجعله ينزف من مختلف أعضاء جسمه. إذ قال يوماً لمدير الأمن العامة المجرم ناظم كزار المشرف على التعذيب: إن الدعوة هنا ، مشيراً إلى صدره، وأتحداك أن تأخذ حرفاً واحداُ. فما كان من الجلاد كزار إلا أن أسمعه عبارات مبتذل، الأمر الذي أغضب دخيل فبصق بوجه السفاح كزار، وهو مقيّد.  لم يطق المتفرعن ناظم كزار تلك الإهانة من سجين معذّب فأمر بإلقائه في حوض حامض النتريك ليذيب جسده تماماً. وهكذا لحق الشهيد دخيل ببارئه ليكون رائد شهداء الدعوة وأول من يستشهد في هذا الطريق.

ثانياً: إعدام قبضة الهدى عام 1974
كان الشيخ عارف البصري من قيادات الدعوة البارزين ، وكان يسكن في منطقة الزوية بالكرادة الشرقية في بغداد. وكان وكيلاً للمرجع السيد الحكيم هناك حيث يتابع شؤون أهالي المنطقة وتربيتهم من خلال إقامة الصلاة في مسجد الزوية ، وإقامة المجالس الحسينية والندوات الثقافية الواعية إضافة إلى الدروس الفقهية. وقد جذب الكثير من الشباب المتطلع للتعرف على الإسلام الأصيل. إذ أن منطقة الكرادة مشهورة بمحلات الخمور والبارات والملاهي. فجاء الشيخ البصري عوناً وسنداً للمؤمنين الموجودين هناك، لتصبح الكرادة شعلة من نشاط إسلامي يقوم به تلاميذه. وخلال فترة قصيرة ونتيجة للحركة الإسلامية المتنامية في المنطقة ، تحولت وكأنها مسجد كبير فاعل، وبيوتها تحولت إلى مساجد صغيرة. وصار حديث الإسلام يطغى في حلقات الشباب في الأزقة والشوارع والمدارس والمنتديات. وصارت المهرجانات والاحتفالات والندوات والمحاضرات الإسلامية ظاهرة مميزة في النشاطات الاجتماعية. كما تزاحم الحضور لاستماع خطبه الفكرية بعد الصلاة. وأوجد سنة حسنة عندما طلب من أهالي الكرادة أن يخرجوا في مجموعات لاستهلال شهر رمضان وشوال.
وكان الشيخ البصري يرعى طلبة العلوم الدينية ، فيقدم لهم المساعدات المالية لمواصلة دراستهم. كما كان يولي رعاية خاصة للشباب وطلاب الجامعات حيث كان يقيم حفلاً سنوياً يوزع فيه الهدايا على الناجحين الأوائل. كما أنشأ صندوقاً يتولى إعانة الشباب على الزواج يقوم الموسرون بتمويله. الأمر الذي ربط الأغنياء بالأمة وبالإسلام العظيم. وكان أحد أعضاء جمعية الصندوق الخيري الإسلامي ومدرساً في كلية أصول الدين في بغداد.
أعتقل الشيخ عارف البصري ومعه كل من السيد عز الدين القبانجي والسيد عماد التبريزي والسيد حسين جلوخان والأستاذ نوري طعمة في شهري تموز وآب عام 1974 ، ضمن مجموعة من قياديي وكوادر الدعوة. ثم نقلوا إلى سجن الفضيلية ببغداد بانتظار المحاكمة الصورية. وتم سجنهم في زنزانات مع اللصوص والعابثين. واستطاعوا تحويل السجن إلى مدرسة ومسجد يعج بالندوات والمحاضرات الإسلامية، يعلمون السجناء قراءة القرآن وأحكام الصلاة والصوم.
بقي الشهداء مدة شهرين في هذا السجن ثم نقلوا إلى محكمة الثورة، فودعهم السجناء وداع التلاميذ لأساتذتهم بحزن وإجلال. وتأجل انعقاد المحكمة عدة مرات بسبب حضور الجماهير التي كانت تملأ الشوارع منذ الصباح. وفي المرة الأخيرة في 13 تشرين الثاني 1974 عقدت الجلسة فكان الحكم بالإعدام على الشهداء الخمسة أو قبضة الهدى، والحكم بالسجن لمدد مختلفة على باقي الدعاة المعتقلين. كان رئيس المحكمة المجرم جار الله العلاف الذي استهزأ بنشاطات الشيخ البصري، عندها أجابه الشيخ بعبارته الخالدة (لو كان اصبعي هذا بعثياً لقطعته).
بعد صدور الحكم تم نقل الشهداء الخمسة إلى سجن أبي غريب للأحكام الثقيلة وهم مكبلون بالحديد. وكان مسموحاً آنذاك زيارة السجناء، فتوافد جمهور غفير في صفوف متراصة لزيارة الشيخ وصحبه الأبطال. ولم يتوقف الشيخ عن أداء رسالته في سجن أبي غريب. إذ كان يناقش السجناء الشيوعيين وغيرهم حول أفكارهم، عارضاً رأي الإسلام.
في أحد الأيام أعلن الشيخ البصري لزواره بأنه قد يفرّقون بينهم وبين الزوار، ثم ودعهم قائلاً: إن العمل الإسلامي أمانة في اعناقنا جميعاً. وها هي تخرج من عنقي وأعناق إخوتي الأربعة لتستقر في أعناقكم أنتم. فيا أخوتنا كونوا أمناء أوفياء للعهد ومواصلين لخط الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام في العمل من أجل تحقيق أهدافهم). فتعالت أصوات الجماهير الزائرة بالبكاء، فكان الشيخ يردد (الملتقى في الجنة، الملتقى في الجنة). ثم أقام صلاة الظهر فخشع الجميع ثم دعا بدعاء الفرج حتى انفجر الجميع بالبكاء. التفت الشيخ إليهم سائلاً: ( لماذا البكاء؟ ألا تريدون لي الجنة؟ ألا تريدون لي الشهادة؟ ). فكان الجواب: هنيئاً لك، أنت من أهل الجنة. والتفت إلى بعض المؤمنين قائلاً: ( إن دماءنا هذه ستدفع مسيرة العمل الإسلامي خمسة عشر عاماً إلى الأمام) وأضاف (بلغوا تحياتي إلى إخوتي الدعاة المجاهدين، وقولوا لهم: إن الإسلام أمانة في أعناقكم).
في ليلة الجمعة 21 ذي القعدة 1394 هـ الموافق 5 كانون الأول 1974 قال الشيخ لإخوته قبل تنفيذ حكم الإعدام بساعات ، بأنه قد تم استدعاؤه من قبل ضابط السجن، فوجد شخصاً عرّف نفسه بأنه موفد من القصر الجمهوري، عرض عليه العفو عن الإعدام وإطلاق سراحه ورفاقه معه بشرط أن يظهر على شاشة التلفزيون معلناً أسفه لما عمله في الماضي، وتأييده لخط الثورة وحزب البعث. رفض الشيخ العرض قائلاً له: ( في عام 1971 وفقني الله لحج بيته الحرام، فدعوته وانا متعلق بأستار الكعبة بأن يرزقه الشهادة.وها هو يحصل على الشرف على يد أرذل خلق الله ، فلا يمكن التنازل عنها) وأضاف قائلاً (إني أرفض أن أبيع ديني لكم، معاذ الله أن أبيع ديني للمجرمين. لا أسمح لأحد أن يرفع تاج الشهادة عن رأسي مقابل متاع الدنيا الزائلة).
 تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً ، ونقلت الجثث من سجن أبي غريب إلى معهد الطب العدلي وسط تعتيم إعلامي شديد . تجمع عدد كبير من الناس أغلبهم من طلبة الجامعة وهو غاضبين. رفضت السلطة تسليم الجثامين كي لا يتحول التشييع إلى تظاهرة ضد النظام، وتنكشف جرائمه بحق أبناء الشعب البررة. ثم دفنت في وقت متأخر من الليل بعيداً عن أعين الناس وخوفاً من سخطها. وطلبوا من عوائل الشهداء أن لا يقيموا مجالس العزاء وهددوهم بالقتل إن خالفوا ذلك.
3-04-2020, 16:30
عودة